ابن قيم الجوزية

16

الروح

( حدثني ) محمد حدثني أحمد بن سهل حدثني رشد بن سعد عن رجل عن يزيد بن أبي حبيب أن سليم بن عمر مر على مقبرة وهو حاقن « 1 » قد غلبه البول ، فقال له بعض أصحابه : لو نزلت إلى هذه المقابر فبلت في بعض حفرها ، فبكى ثم قال : سبحان اللّه ، واللّه إني لأستحي من الأموات كما أستحي من الأحياء ، ولولا أن الميت يشعر بذلك لما استحيا منه . ( وأبلغ ) من ذلك أن الميت يعلم بعمل الحي من أقاربه وإخوانه ، قال عبد اللّه بن المبارك « 2 » : حدثني ثور بن يزيد ، عن إبراهيم ، عن أبي أيوب قال :

--> - أما زيارة النساء للقبور فقد روى الحاكم والبيهقي والإمام أحمد عن عبد اللّه بن أبي مليكة أن السيدة عائشة رضي اللّه عنها أقبلت ذات يوم من المقابر ، فقلت : يا أم المؤمنين ، من أين أقبلت ؟ قالت : من قبر أخي عبد الرحمن ، فقلت لها : أليس كان نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن زيارة القبور ؟ قالت : نعم ، كان نهى عن زيارة القبور ثم أمر بزيارتها . ذكره قوم زيارة النساء للقبور لما رواه الإمام أحمد وابن ماجة والترمذي ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لعن اللّه زوارات القبور » . قال القرطبي : اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة ، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج وما ينشأ من الصياح ونحو ذلك . قال الشوكاني : وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر . ( 1 ) الحاقن هو الذي به بول شديد ، يقال : احتقن المريض : أي احتبس بوله فاستعمل الحقنة . ( 2 ) هو الإمام العلم أبو عبد الرحمن عبد اللّه بن المبارك الحنظلي مولاهم المروزي الفقيه الحافظ الزاهد ذو المناقب سمع هشام بن عروة وحميد الطويل وهذه الطبقة وصنف التصانيف الكثيرة وحديثه نحو عشرين ألف حديث ، قال أحمد بن حنبل : لم يكن في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه ، وقال شعبة : ما قدم علينا مثله ، وقال أبو إسحاق الفزاري : ابن المبارك أطلب للعلم منه ، وقال شعبة : ما قدم علينا مثله . وعن شعيب بن حرب قال : ما لقي ابن المبارك مثل نفسه ، وكانت له تجارة واسعة ، كان ينفق على الفقراء في السنة مائة ألف درهم ، قال ابن ناصر الدين : الإمام العلّامة الحافظ شيخ الإسلام وأحد أئمة الأنام ذو التصانيف النافعة والرحلة الواسعة ، حدث عنه ابن منيع وابن معين وأحمد بن حنبل وغيرهم ، جمع العلم والفقه والأدب والنحو واللغة والشعر وفصاحة العرب مع قيام الليل والعبادة . قال ابن الأهدل : تفقه بسفيان الثوري ومالك بن أنس وروى عنه الموطأ ، وكان كثير الانقطاع في الخلوات شديد الورع . -